تأثير الذكاء الاصطناعي على وظائف سوق العمل

نبض التكنولوجيا
By -
0

  


شهدت السنوات الأخيرة تسارعًا هائلًا في تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، ما جعلها أحد أهم العوامل المؤثرة في سوق العمل على مستوى العالم. لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لتحسين الإنتاجية أو أتمتة بعض المهام، بل أصبح قوة تعيد تشكيل طبيعة الوظائف نفسها، وتغيّر الطريقة التي يعمل بها البشر في مختلف القطاعات. بعض الوظائف التقليدية تتعرض لخطر الاستبدال أو التغير الجذري.


الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل سوق العمل

  لم يعد تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل مقتصرًا على استبدال الإنسان بالآلة، بل أصبح عاملًا رئيسيًا في إعادة تعريف طبيعة الوظائف نفسها. فالعديد من المهن لم تختفِ، وإنما تغيّرت مهامها، حيث تولّى الذكاء الاصطناعي الأعمال الروتينية والمتكررة، بينما انتقل الإنسان إلى أدوار أكثر تعقيدًا تعتمد على التفكير النقدي، واتخاذ القرار، والإبداع. هذا التحول أدى إلى ظهور نماذج عمل جديدة قائمة على التعاون بين الإنسان والآلة، وزيادة الطلب على مهارات رقمية وتحليلية متقدمة. وفي المقابل، تواجه بعض الوظائف التقليدية تحديات حقيقية إذا لم تواكب هذا التحول عبر التدريب وإعادة التأهيل. لذلك، يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي اليوم كقوة إعادة هيكلة لسوق العمل، لا كأداة إلغاء للوظائف فقط، مما يفرض على الأفراد والمؤسسات تطوير مهاراتهم باستمرار للتكيف مع متطلبات المستقبل.


مخاوف فقدان الوظائف تتصاعد

  تتزايد مخاوف العاملين عالميًا من فقدان وظائفهم بسبب الذكاء الاصطناعي، مع تسارع اعتماده في مختلف القطاعات. تشير إحصائيات حديثة إلى أن نحو 27٪ من العاملين في بريطانيا يتوقعون فقدان وظائفهم خلال خمس سنوات، بينما يعبر قرابة 90٪ من الموظفين عالميًا عن قلقهم من تأثير الذكاء الاصطناعي على أمنهم الوظيفي. كما تُظهر الدراسات أن أكثر من 40٪ من العمال يعتقدون أن بعض مهامهم ستُستبدل بالذكاء الاصطناعي قريبًا، وأن ما يقارب 11–12٪ من الوظائف في بعض الاقتصادات المتقدمة معرضة للاستبدال أو التغيير الجذري. هذه الأرقام تعكس قلقًا متناميًا لا يقتصر على فقدان الوظائف فقط، بل يشمل الخوف من تقادم المهارات والحاجة الملحّة لإعادة التأهيل المهني.


بعض الاقتصادات تتأثر أكثر من غيرها

بحسب دراسة استقصائية حديثة، سجلت   المملكة المتحدة أعلى معدل خسارة صافية للوظائف بسبب الذكاء الاصطناعي بين الاقتصادات الكبرى خلال الاثني عشر شهرًا الماضية، حيث أدّى استخدام الذكاء الاصطناعي إلى انخفاض صافي الوظائف بنسبة نحو 8٪، وهو معدل أعلى من الولايات المتحدة وألمانيا واليابان وأستراليا.

  على الرغم من أن الشركات البريطانية حققت زيادة في الإنتاجية بمعدل يزيد على 11٪ بفضل الذكاء الاصطناعي، إلا أن تلك الزيادة لم تُترجَم إلى خلق وظائف جديدة بنفس الوتيرة مقارنة ببعض الاقتصادات الأخرى، ما جعل تأثير الذكاء الاصطناعي في بريطانيا أشد على فرص التوظيف.


الحكومات تتخذ سياسات لمواجهة التأثير

تتعامل حكومات عديدة مع تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل من خلال  إطلاق سياسات واستراتيجيات رسمية تهدف إلى التوازن بين الاستفادة من التكنولوجيا وحماية القوى العاملة. على سبيل المثال، أعلنت الصين أنها ستكشف عن سياسات جديدة لمعالجة تأثير الذكاء الاصطناعي على الوظائف ودعم التوظيف في القطاعات الرئيسية، مع تركيز خاص على تقديم دعم فئات الأولوية مثل خريجي الجامعات والشباب الباحثين عن عمل لمواجهة مخاطر الإزاحة الوظيفية وتسريع التكيف مع التحوّل الرقمي في سوق العمل.

  هذه الخطوات تأتي في إطار جهود أوسع لتخفيف تأثير الأتمتة والذكاء الاصطناعي على العمالة، من خلال تعزيز برامج التدريب المهني، وتحفيز إعادة التأهيل الوظيفي، وتشجيع الابتكار في الوظائف الجديدة التي يخلقها الذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى تعزيز دور السياسات التعليمية لسد فجوة المهارات في المستقبل.


التعاون الدولي لإدارة التغيير

في ظل التحديات الكبيرة التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على سوق العمل العالمي، برز التعاون الدولي كأداة أساسية لإدارة هذا التحول بطريقة متوازنة ومستدامة. في يناير 2026، استضافت السعودية مؤتمرًا دوليًا لسوق العمل ضم أكثر من 40 وزير عمل ومسؤول دولي، حيث تم تبادل الخبرات، وتوقيع أكثر من 45 مذكرة تفاهم واتفاقية تهدف إلى إعداد العمال لمهارات المستقبل، ودعم المبادرات التدريبية وفرص العمل الجديدة عبر شراكات بين الدول والمؤسسات الدولية.

 كما أكدت منظمة العمل الدولية في فعاليات المؤتمر على أهمية الحوار الاجتماعي والتعاون بين الحكومات وأصحاب العمل والعمال لوضع سياسات عادلة تُراعي الفوارق التكنولوجية بين الدول وتضمن الانتقال السلس لسوق العمل الجديد.


منظمة العمل الدولية تدعو لسياسات مستدامة

أكدت منظمة العمل الدولية (ILO) خلال فعاليات المؤتمر الدولي لسوق العمل 2026 في الرياض على أهمية تبني سياسات شاملة ومستدامة لإدارة تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل. وأوضح المدير العام للمنظمة، جيلبرت هونغبو، أن التحوّل التكنولوجي يجب أن يكون مركزًا على الإنسان ويشمل ضمان الشمولية وتقليل عدم المساواة بين الدول والشرائح المختلفة من العاملين، مع التركيز على الاستثمار في المهارات، والحوار الاجتماعي، والتكيف مع التغيّرات التكنولوجية بدلًا من الاكتفاء بالحلول الجزئية. كما حذّر من أن اتساع الفجوة التكنولوجية بين الدول وداخلها قد يؤدي إلى زيادة أوجه عدم المساواة في فرص العمل والظروف الوظيفية إذا لم تُعتمد سياسات عادلة ومتوازنة.


منظمة العمل الدولية تدعو لسياسات مستدامة

أكدت منظمة العمل الدولية (ILO) خلال فعاليات المؤتمر الدولي لسوق العمل 2026 في الرياض على أهمية تبني سياسات شاملة ومستدامة لإدارة تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل. وأوضح المدير العام للمنظمة، جيلبرت هونغبو، أن التحوّل التكنولوجي يجب أن يكون مركزًا على الإنسان ويشمل ضمان الشمولية وتقليل عدم المساواة بين الدول والشرائح المختلفة من العاملين، مع التركيز على الاستثمار في المهارات، والحوار الاجتماعي، والتكيف مع التغيّرات التكنولوجية بدلًا من الاكتفاء بالحلول الجزئية. كما حذّر من أن اتساع الفجوة التكنولوجية بين الدول وداخلها قد يؤدي إلى زيادة أوجه عدم المساواة في فرص العمل والظروف الوظيفية إذا لم تُعتمد سياسات عادلة ومتوازنة.


الطلاب والشباب يواجهون تحديات جديدة

   يواجه الطلاب والخريجون الجدد تحديات غير مسبوقة نتيجة التحوّل السريع لسوق العمل تحت تأثير الذكاء الاصطناعي. إذ أن الكثير من الوظائف التقليدية للمبتدئين أصبحت قابلة للأتمتة بالكامل أو جزئيًا، مما يجعل دخول الشباب لسوق العمل أكثر صعوبة. وتشير الدراسات الحديثة إلى أن أكثر من 40٪ من الشباب في الاقتصادات المتقدمة يخشون أن تقل فرصهم الوظيفية خلال السنوات الخمس القادمة بسبب الذكاء الاصطناعي والتقنيات الروبوتية، بينما يشعر نحو 58٪ منهم بضرورة اكتساب مهارات جديدة لمواكبة سوق العمل المستقبلي.

   إضافة إلى ذلك، يشكل التغير المستمر في المهارات المطلوبة ضغطًا على أنظمة التعليم والتدريب، التي غالبًا لا تواكب سرعة التطور التكنولوجي. لذلك بات من الضروري أن يبدأ الطلاب مبكرًا في اكتساب مهارات رقمية وتحليلية، والتكيف مع العمل التعاوني مع الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى مهارات التفكير النقدي والإبداعي التي يصعب على الآلات محاكاتها.


الذكاء الاصطناعي يخلق وظائف جديدة

على الرغم من المخاوف من فقدان الوظائف، فإن الذكاء الاصطناعي  يخلق أيضًا فرص عمل جديدة لم تكن موجودة من قبل. تظهر التقارير أن الطلب يرتفع على المهارات التقنية المتقدمة مثل علوم البيانات، تعلم الآلة، تطوير البرمجيات، وأمن المعلومات، بالإضافة إلى وظائف متصلة بالذكاء الاصطناعي مثل تدريب النماذج، مراقبة جودة الخوارزميات، وإدارة المشاريع التقنية.

  في عام 2025، أظهرت دراسة عالمية أن أكثر من 15 مليون وظيفة جديدة قد تم خلقها عالميًا نتيجة الابتكار في الذكاء الاصطناعي، خصوصًا في قطاعات التكنولوجيا، الرعاية الصحية، التعليم، والطاقة المتجددة، فيما يتوقع أن يزداد العدد خلال السنوات القادمة مع توسع تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجالات مختلفة.

إضافة لذلك، فإن الذكاء الاصطناعي يشجع على ظهور وظائف هجينة تجمع بين المهارات التقنية والمهارات البشرية التقليدية، مثل وظائف تحليل البيانات للسلوكيات البشرية، تصميم تجارب العملاء الذكية، والاستشارات في التحول الرقمي، مما يتيح فرصًا جديدة للشباب والمهنيين للتخصص في مجالات مستقبلية.


 هذا التحول يفرض على الحكومات، المؤسسات، والعمال التكيف بسرعة مع المتغيرات الجديدة، سواء من خلال إعادة التأهيل والتدريب المستمر، أو عبر إعادة تصميم سياسات العمل والتعليم لضمان استدامة سوق العمل، وتقليل الفجوة بين المهارات المطلوبة والقدرات المتاحة. كما أن التحولات التي يحدثها الذكاء الاصطناعي تجعل من التعاون الدولي، والحوار الاجتماعي، واستراتيجيات الحماية المستدامة أمورًا ضرورية للحفاظ على استقرار القوى العاملة وتقليل المخاطر المحتملة.

إرسال تعليق

0تعليقات

أكتب رأيك في تعليق

إرسال تعليق (0)